عماد الدين خليل
242
دراسة في السيرة
السلام هو الصدق والحق . وأنه قد استضاف ابن عمه وأصحابه على الرحب والسعة . . ويختم رسالته قائلا : « وقد بايعتك وبايعت ابن عمك ، وأسلمت على يديه للّه رب العالمين . وقد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم . . وإن شئت أن أتيك فعلت يا رسول اللّه ، فإني أشهد أن ما تقول حق ، والسلام عليك يا رسول اللّه » . ويختتم ابن إسحاق حديثه قائلا : « وقد ذكر لي أن النجاشي بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة ، فإذا كانوا في وسط البحر غرقت بهم سفينتهم فهلكوا » « 1 » ، ولا يوجد من الوقائع والأدلة والروايات الآخرى ما يؤيد هذا الذي ذهب إليه ابن إسحاق . . وربما يكون موقف النجاشي الودي ، سواء من مهاجري المسلمين أو خطبة الرسول لأم حبيبة بنت أبي سفيان ، أو الرسالة التي دعاه فيها إلى الإسلام ، هو الذي دفع إلى المبالغة في تقدير موقفه الطيب وإيصاله حد إعلانه الإسلام . وإلى المقوقس حاكم مصر القبطي انطلق حاطب بن أبي بلتعة ، فاستقبله استقبالا حسنا لا يقل كرما وطيبة عن استقبال زميله الحبشي لمبعوث الرسول صلى اللّه عليه وسلم وجرى حوار بين حاطب والمقوقس قال فيه حاطب : إن هذا النبي دعا الناس ، فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له اليهود وأقربهم منه النصارى . وما بشارة موسى بعيسى عليه السلام إلا كبشارة عيسى بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل . وكل نبي أدرك قوما فهم أمته ، فحق عليهم أن يطيعوه ، وأنت ممن أدرك هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكننا نأمرك به . وقد أعرب المقوقس عن موقفه الودي من الرسول بأن بعث إليه رسالة جاء فيها : « لمحمد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط ، سلام عليكم ، أما بعد : فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وتدعو إليه ، وقد علمت أن نبيا قد بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام ، وقد أكرمت رسولك وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط ، وبثياب ، وأهديت لك بغلة تركبها » . وقد دعا حاطب - في طريق عودته الجاريتين مارية وأختها سيرين إلى الإسلام فأسلمتا . وردا على هذا الموقف الطيب تقبل الرسول الهدية وتزوج مارية التي ولدت له - فيما بعد - إبراهيم ،
--> ( 1 ) الطبري : تاريخ 2 / 652 - 653 ، ابن سعد 1 / 2 / 15 - 16 ، وانظر البلاذري : أنساب 1 / 229 .